«زوكالو» أدونيس: سمواتٌ كثيرة في مقابل سماء واحدة - صلاح بوسريف

«زوكالو»، هو عمل جديد لأدونيس، نُشِرَ لأوَّل مرة مُترْجَماً إلى الفرنسية، وصدر عن دار ميركير عام 2013. الكتاب في الأصل مكتوب بالعربية،...


«زوكالو»، هو عمل جديد لأدونيس، نُشِرَ لأوَّل مرة مُترْجَماً إلى الفرنسية، وصدر عن دار ميركير عام 2013. الكتاب في الأصل مكتوب بالعربية، وهو عمل، بالمعنى الذي يجعله مفتوحاً على الكتابة، أو على الشِّعر، بالمعنى الدينامي المفتوح، الذي تتصافح فيه أشكال وأنواع الكتابات المختلفة، التي يبقى الشِّعرِيّ هو ما يَحْكُمُها ويهيمن عليها.
في هذا العمل، الذي من خلاله يحاول أدونيس، اسْتيحاءَ ما عاشَه من «استيهامات» في «بلاد مايا»، وليس فقط في دولة المكسيك الحديثة. ولعلَّ عنوان الكتاب، يفضح هذا الذَّهاب إلى العُمْق الثقافي والحضاري للثقافة البرازيلية القديمة، في صورة آلهتها، الكثيرة والمتعددة، التي لم تكن حضارةَ إله، ولا سماء واحدة، بعكس ما سيحْدُثُ في الدِّيانات التي لَغَتْ هذه الكثرة، وهذا التَّعدُّد والاختلاف، وأبْقَتْ على الوحدانية التي استحالت إلى رؤية واحدة، وإلى لغة واحدة، وإنسان واحد، واخْتَفَتْ الرُّؤى المتعددة، واللغات المختلفة، والإنسان الكثير.

              ادونيس                
في العمل نَفَس رِحْلِيّ، لكنه ليس بمعنى الرِّحْلَة، كما كتبها الرَّحّالة العرب وغير العرب القُدامى والحديثين، بل الرحلة، هنا، هي نوع من الحَفْر في اتِّجاهِ ما لا نراه، وما لا نَسْمَعُه، أو نذهب إليه. ولعلَّ في الطريقة التي يُوَزِّع بها أدونيس كتابة النص عبر مقاطع، مكتوبة في أغلبها بتوزيع «نثري»، ما يجعل من هذه المقطعية النَّصِّيَة، تشبه الدُّروب، أو الفضاءات، باعتبار ما تَحْتَمِلُه كلمة فضاء من معنَيَيْن، هما الزمان والمكان، أو بالأحرى، هي لُمَع، كُلّ لَمْعَة، هي إنصاتٌ للأشياء، وهي رُفْقَة للطبيعة، للشمس، للضوء، للشَّجر والحَجر، للطيور، والحيوات المُخْتَفِيَة خلف كثافة هذا الفضاء العميق والبعيد. أو لِما لا يمكن أن يراه إلاَّ شاعر ذَابَ في تفاصيل هذه الأشياء، وفي استيهاماتها التي شَرِبَتْ نَفْسَه واسْتَغْرَقَتْها، كما لو أنَّ هذه النفس تدخُل في حوار مع هذه الأشياء، أو العناصر، وتَحُلُّ فيها، أو كُلّ واحد يُصاحِب الآخر ويُرافقهُ، وتصبح العلاقة بينهما علاقة وَشْوَشَة، وعلاقة استنفار للحواسِ جميعِها. لا شيء يفلت من هذه الصَّداقة، بما في ذلك الموت نفسه، الذي يصير صديقاً، ورفيقاً قديما، يجري به اللقاء في «بلاد مايا»، ربما بعد غياب، أي باعتبار انتفاء هذه الصداقة في حضارة وثقافة الشَّاعِر العربي، الذي يكون مُفْعَماَ، ربما، بالحياة، وينسى أنَّ المَوْت هو مُعادِلٌ للحياة، وهو جزء من صيرورتها وذوبانها اليومي.

استعادة «مايا»، في هذا العمل الشِّعري، بالمعنى الذي أشرتُ إليه قبل قليل، أي بمعنى الكتابة، لا «القصيدة»، هي استعادة لِما نَطمسُه، أو نَحْجُبُه، في النظر للأشياء، في أصلها، وفي نبعها، والتُّرْبَة الأولى التي خرجَتْ منها.
الليل في حضارة وثقافة «مايا»، ليس هو الليل في غيرها من الحضارات والثقافات، وأيضاً النَّهار في هذه الحضارة، هو نهار آخر، ظلَّ مُقيماً في تُربَتِه، وفي مائه الذي منه جاء، بآلهته المتعددة، بهذه الآلهة الأنثى، التي لم تسمح ثقافة وحضارة الإله الذكر، بتجلِّيها، أو بظهورها، ما جعل من هذه الحضارات يكون ليلُها، كما نهارُها ذُكورةً تخرج من الرَّحِم نفسه، الذي لا مكان فيه لِما يُؤنَّث، أو بتعبير ابن عربي لِما «لا يُعَوَّل عليه»، فـ«سيف الوحدانية»، فَصَل الأنثوي عن الذُّكوري، ورمَى بكُلٍّ منهما في تراب بعيدٍ، لا يسمح باللِّقاء، أو بالعودة لِماضي العلاقة التي كانت اتحاداً وتواشُجاً في الأصل.
لم يبق الشَّاعر خارج نفسه، بصورة كاملةٍ، رغم هذا الالتحام، أو الذَّوبان في لُزُوجَة الأشياء وحيويتها، فهو في هذا الاستغراق الاستيهامي في حياة الأشياء وحيويتها، كان لا بُدَّ أن يسْتَعِيد ما يجري في «سوريا»، وفي بعض البلاد العربية، التي استحال فيها الإنسان إلى رأسٍ مقطوعة، «قبور كثيرة في كتاب واحد»، و«ثمَّة أيدٍ تضع حول كل عُنُق منشاراً».

           بقلم:صلاح بوسريف          
هذه العودة، أو الخُروج النصِّي من مكسيكو إلى «سوريا»، أو غيرها من الأرض العربية التي يجري فيها الدَّم مجرى الماء، ليست بريئةً، فهي مقصودة، لِكَشْف المسافة بين حضارة لم تُفَرِّط في دمها، وحضارة اسْتُبيحتْ فيها الدِّماء، وتحوَّل فيها الغَيبُ، أو الإله إلى «منشار»، في يَدٍ تعيتُ فساداً في أرواح، وأجسام البشر، باسم الدِّين، باسم السماء، أو باسم الواحد، الذي لا يقبل التَّعدُّد.
في النص، بقدر ما يحرص أدونيس على تسمية الأشياء ببعض تفاصيلها الصغيرة، وذكر الأماكن والعناصر والأشياء، بنوع من الإفراط، ربما، في تكرارها، بقدر ما يقتصد في لغته التي حَصَرَها في نَفَسٍ شعريّ، فيه نوع من الشَّظَف التعبيري. 
اللغة التي أتاحَتْها مشهداتُه، واستيهاماتُه، هذه، فرضَت هذا النوع من الشَّظَف، الذي هو، هنا، انحسارٌ في اللفظ، وفَيْضٌ في المعنى، أو بالتعبير الصُّوفي المعروفي «كُلَّما اتَّسَعَت الرؤيا ضاقت العبارة»، أو بتعبير أدونيس نفسه، في المقطع 86 «آهِ، ما أكثرَ الشيءَ، وما أقلَّ اللغة في هذه البلاد التي أنتمي إليها»، وهو تعبير، رغم وضعه في سياق الانتماء، أو الهوية الشخصية للشاعر، وللبلاد التي ينتمي إليها، فهذا، في حقيقة الأمر، اكتشاف يصل إليه الشَّاعِر في ما أتاحَتْه مكسيكو، أو حضارة «مايا»، من غزارة في سمواتها، وغزارة في آلهتها،. وغزارة في شموسها، فما تراه اليوم في «مايا»، غير ما يمكن أن تراه في الغد، أو ما كُنْتَ رأيتَه بالأمس. 

فهل معنى هذا أنَّ «مايا» هي اكتشاف، ليس لـ «مايا»، بل لبلاد الشاعر نفسها، التي هي بلاد كل شيء يضيق فيها، بعكس مايا، التي يكثُر فيها الشيء، والعبارة تفيض في شَيْئيَتِها، لا في مفرداتها وتعابيرها. تكفي صورةٌ واحدة لاختزال هذا العمق المُتَخَتِّر في الشيء، في قاعه العميق والبعيد؟
في النص شعريةٌ، لا يمكن لِيَد الشَّاعر أن تخرج منها، لأنَّها هي ماء هذه اليد وعرقها، وهي تكتب، وتَسْتَوْلِد الأشياء، أو تخرجها من هيولِها، إلى هذا الوجود الشِّعري الذي يمنحها حياة أخرى، هي حياة بالتَّخْييل، لا بالتمثيل.

تعليقات


الاسم

أجناس صحفية,28,اخبار العالم,2148,اخبار العرب,1794,اخبار المغرب,6754,أرشيف,12,اسبانيا,217,أستراليا,1,اسكوبار الصحراء,9,إضاءة,1,إطاليا,6,إعلام,309,إعلام فرنسي,5,إفريقيا,65,اقتصاد,1085,أقلام,15,الإتحاد الأوروبي,16,الأخيرة,1,الأرجنتين,1,الأردن,1,الإمارات,3,الأمم المتحدة,29,البرازيل,12,الجزائر,323,السعودية,16,الصحة,138,الصين,32,ألعراق,1,العراق,6,الفضاء,1,القدس,4,ألمانيا,29,المراة,131,المكسيك,1,الملف,25,النمسا,1,ألهند,1,الهند,2,الولايات المتحدة الأمريكية,124,اليمن,43,إيران,59,ايطاليا,2,باكستان,1,برشلونة,1,برلمان,1,بروفايل,1,بريطانيا,1,بريكس,1,بلجيكا,7,بيئة,21,تاريخ,6,تحقيق,1,تحليل,2,تدوين,780,ترامب,14,ترجمة,1,تركيا,28,تغريدات,31,تغريدة,6,تقارير,1347,تقرير صحفي,76,تونس,91,ثقافة,2,جنوب إفريقيا,4,جنين,4,حدث,1,حرية,419,حزب الله,22,حماس,13,حوارات,81,ذكرى,2,روسيا,92,رياضة,385,زاوية نظر,41,زلزال الحوز,76,سوريا,36,سوسيال ميديا,33,سوشال ميديا,16,سياحة,5,سينما,32,شؤون ثقافية,466,صحافة,87,صحة,579,صوت,1,صوت و صورة,916,طاقة,33,طقس,1,طولكرم,1,عالم السيارات,3,عداد البنزين,5,عزة,3,علوم و تكنولوجيا,321,عناوين الصحف,322,غزة,215,فتح,1,فرنسا,207,فلسطين,8,فلسطين المحتلة,775,فنون,248,قطر,3,كاريكاتير,9,كأس العالم,108,كتاب الراي,1970,كوريا الجنوبية,2,كولومبيا,2,لبنان,32,ليبيا,34,مجتمع,1364,مجنمع,10,مختارات,129,مدونات,5,مسرح,8,مشاهير,1,مصر,10,مغاربي,1059,ملف سامير,8,ملفات,48,منوعات,410,موريتانيا,17,مونديال,1,نقارير,3,نقرة على الفايس بوك,1,نيكاراغوا,1,هولاندا,1,
rtl
item
الغربال أنفو | موقع إخباري: «زوكالو» أدونيس: سمواتٌ كثيرة في مقابل سماء واحدة - صلاح بوسريف
«زوكالو» أدونيس: سمواتٌ كثيرة في مقابل سماء واحدة - صلاح بوسريف
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjzv9WJYqhrF_ijtdjvjb97Mkvf-Ah6ZN9UpcGLxeyd3brBDeeLtYUyaJ4Ma0FKDKq5_aikZjEpBC3a1-uXGCDTcwZmoII_Y114sbADAA9ZyLJGWSPuv5K7AC9g4rKIVJMQ8kR0-mOTHNaK/s1600/17qpt866.jpg
https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjzv9WJYqhrF_ijtdjvjb97Mkvf-Ah6ZN9UpcGLxeyd3brBDeeLtYUyaJ4Ma0FKDKq5_aikZjEpBC3a1-uXGCDTcwZmoII_Y114sbADAA9ZyLJGWSPuv5K7AC9g4rKIVJMQ8kR0-mOTHNaK/s72-c/17qpt866.jpg
الغربال أنفو | موقع إخباري
https://www.alghirbal.info/2015/03/blog-post_523.html
https://www.alghirbal.info/
https://www.alghirbal.info/
https://www.alghirbal.info/2015/03/blog-post_523.html
true
9159330962207536131
UTF-8
تم تحميل جميع المشاركات لم يتم العثور على أي مشاركات عرض الكل المزيد رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية تتمة الموضوع مشاركات عرض الكل مختارات وسم أرشيف بحث جميع المشاركات لم يتم العثور على أي مشاركة مطابقة لطلبك العودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلائاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت أحد إثنين ثلثاء أربعاء خميس جمعة سبت يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نوفمبر دسمبر يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نوفمبر دسمبر الآن منذ دقيقة واحدة $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago المشتركون اشترك هذا المحتوى المميز مقفل الخطوة 1: المشاركة على شبكة التواصل الاجتماعي الخطوة 2: انقر على الرابط الموجود على شبكتك الاجتماعية Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy Table of Content